محمد غازي عرابي
830
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ الأحزاب : 56 ، 57 ] باعتبار النبي الوجود الجامع للظاهر والباطن كانت صلاة اللّه عليه وملائكته صلته هو شخصيا بذاته التي هي ذات الحق ، ولهذا كان جبريل ملكا نورانيا يمثل شطر النبي الذاتي النوراني ، وعلى هذا فالصلة بين باطن النبي وظاهره قائمة ومستمرة . والصلاة صلاتان ، دائمة ومؤقتة ، فالدائمة هي صلة الصفة بالموصوف وهذا فعل الضمير في الإنسان الذي يصلي عليه دائما بأن يحفظه من خواطر السوء والوسوسة ويجعل له دائما صراطا مستقيما ، فاللّه خير حافظا ، وهو يحفظ عبده عن طريق الوحي والإلهام والملائكة الذين هم أيضا إلهام الصفة ، أما الصلاة المؤقتة فهي خاصة بالأنبياء والأولياء ، فاللّه ظل يصلي على نبيه صلاة دائمة حتى بلغ أشده ، وكان يقصد في أواخر الثلاثينات من عمره غار حراء ليتحنث فيه . . ثم جاء الفتح وهو يمثل الصلاة المؤقتة التي لها ميقات ، وفيها تكشف الآفاق للقلب ، فإذا اللّه حاضر ، وإذا اللّه الجامع للتضاد ، وإذا اللّه مقلب القلوب ، وإذا اللّه بالمرصاد ، وإذا اللّه وارث كل شيء ومفني كل شيء والقائم به كل شيء . فهذا النور الجامع هو نوره عليه السّلام الذي ورثه عن ربه ، فهداه عليه السّلام كان منه وبه وفيه ومن باطنه إلى ظاهره ، فمثل بهذا الإنسان الكامل ، وكان بهذا الإنسان الكبير روح الكون ومظهر جبريل وتعينه ، ولهذا أوصى اللّه المسلمين بالصلاة على النبي أيضا وذلك بالتسليم له ، وذلك أمر واقع بحكم القهر ما دام الموصوف يتبع الصفة ويستمع وحيها وإلهامها . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 58 ] وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 58 ) [ الأحزاب : 58 ] الخطاب لأصحاب أسماء الجلال المقهورين حكما بفعل الإلهام أيضا ، وهؤلاء ملعونون بحكم إلهامهم ، والوجود الجامع ، اقتضى هذا التفريق وهذه التثنية . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 59 ) [ الأحزاب : 59 ] الجلباب إشارة إلى استتار المعقولات في الإنسان من الانسان ، وهذا واقع حكما لكون الإلهام قريبا من نجوى القلب بل هو نجوى القلب على الحقيقة ، وعلى هذا قالت الصوفية إن الإنسان ، أو نفس الإنسان معبر ومحل للخطاب ، ومن دون وجود هذا الجلباب أو الحجاب ما كان تم أمر اللّه بأن يكون بينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة كما جاء في